أحمد بن محمد مسكويه الرازي

268

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

2 - الالتزام النظري والعملي ومما يؤخذ به من يحفظ صحّة نفسه ان يلتزم وظيفة من الجزء النظري والعملي ، لا يسوغ له الإخلال بها البتة لتجري النفس مجرى الرياضة التي تلزم في حفظ صحة البدن ، وأطباء النفوس أشد تعظيما لها في حفظ صحة النفس . وذلك ان النفس متى تعطلت من النظر ، وعدمت الفكر والغوص على المعاني تبلّدت وتبلّهت ، وانقطعت عنها مادة كل خير . وإذا الفت الكسل وتبرمت « 1 » بالرؤية واختارت العطلة ، قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه انسلاخا من صورتها الخاصة بها ، ورجوعا منها إلى رتبة البهائم وهذا هو الإنتكاس في الخلق نعوذ باللّه منه . « 2 » وإذا تعود الحدث الناشئ من مبدأ كونه الارتياض بالأمور الفكرية ، ولازم التعاليم الأربعة ألف الصدق واحتمل ثقل الروية والنظر ، وانس بالحق ونبا طبعه عن الباطل ، وسمعه عن الكذب ، فإذا بلغ أشده وانتقل إلى مطالعة الحكمة استمرّ طبعه فيها وتشرب ما يستودع منها ، ولم يرد عليه أمر غريب ولا يحتاج إلى كثير تعب في فهم غوامضها واستخراج دفائنها ، فيصل إلى سعادتها التي ذكرناها سريعا . وان كان حافظ هذه الصحة قد توحد في العلم وبرع ، فلا يحملنه العجب بما عنده على ترك الازدياد ، فإن العلم لا نهاية له ، وفوق كلّ ذي علم عليم ، ولا يتكاسلن عن معاودة ما

--> ( 1 ) . تبرمت أي سئمت وضجرت . ( 2 ) . انتكاس في الخلق ، وليس في الخلق . لأن الانتكاس في الخلق ( بفتح الخاء ) ، هي سنة إلآهية . وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ يس / 68 . وحتى الأنبياء وينكّسون في الخلق : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا مريم / 4 . في هذه الآية يريد ان يعبّر النبي زكريا عليه السّلام عن ضعفه الداخلي والباطني فقال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وعن ضعفه الظاهري وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً .